ومن الرفق : رفق الإنسان حتى بغير المسلمين في تعامله معهم ؛ فكما يرفق مع المسلمين ؛ فيرفق - أيضًا - مع غير المسلمين ليظهر محاسن الدين وفضائله ، النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعامل غير المسلمين بالرفق في تعامله معهم ، أتاه يهودي ؛ فسلموا عليه ، وقالوا : السام عليك : - يعني الموت - قال : ( وعليكم ) ، وسكت ؛ فقالت عائشة : ( وعليكم لعنت الله وغضبه ، يا إخوان القردة والخنازير ؛ فقال : مه يا عائشة ، قالت : أما سمعت ما قالوا لك ، قال : أما سمعت ما قلت لهم يستجاب لنا عليهم ، ولا يستجاب لهم علينا ، يا عائشة ، ما وضع الرفق في شيء إلا زانه ، ولا نزع الرفق من شيء إلا شانه ) .
ومن خصال الرفق - أيضًا - : رفق القاضي مع الخصوم ؛ فالخصمان يترافعان إلى القضاء ، ولكن إذا وفق الله القاضي ؛ فكان رفيقًا بالخصمين ، يسمع منهما ويأخذ منهما ويتأمل في أقوالهما ؛ فإن لم يكن رفيقًا منهما ؛ فربما يطمع طامع فيه ، وربما يطمع الجائر فيه ، لكن إذا أصغ لهما بأدب واحترام ، وأخذ من كلا حيثياته ؛ فإن ذلك أرفق به وطريقًا إلى أن يكون الحكم موافقًا بتوفيق الله ؛ لأن الخصم إذا سمع من القاضي شيئًا يخالف من صوت رفيع أو تأنيب أو نحو ذلك ، ربما تذهب أموره ، وربما يضعف أمام ذلك ؛ فإن يكن القاضي ذا رفق وعدالة وحسن خطاب لهذا وهذا ، كل يدلي بحجته بوضوح وسلامة ، ويستبين للقاضي ما لدى الطرفين من الحجج بأمانة ؛ فإن ذلك من خصال الخير ، ولهذا نهي القاضي أن يقضي وهو غضبان خوفًا من أن يؤدي غضبه إلى أن لا يسمع ، وأن يستوفي حجج الطرفين .
ومن خصال الرفق - أيضًا - : رفق المحقق في تحقيقه فالمحققون ، ومن يشتغل للتحقيق لا بد أن يكونوا رفيقين بمن يحققون معهم ؛ ليأخذوا ما لديهم بأناءة وحلم ؛ فإنه إذا شعر بأن المحقق لا بد أن يظلمه أو يسيئا إليه أو يضربه أو نحو ذلك ، ربما أحجم عن الصدق ، وربما قال باطل يتخلص منه ، وهذا كله غير جائز ؛ فالأصل براءة المتهم ما لم تثبت عليه الحجة القاطعة .
ومن خصال الرفق - أيها المسلم - ، ومن خصال الرفق التي ينبغي للمسلم أن يتحلى بها ، رفق السائق في سياقته وفي قيادته لعربته ؛ فإن الطرق حق عام للناس ؛ فلك حقًا كما لغيرك حق ؛ فمن خلفك أو أمامك ومن يمينك أو عن يسارك كلهم شركاء لك في الاندفاع في هذا الطريق ؛ فإياك أن تسرع سرعة زائدة ، وإياك أن تلحق الضرر بالآخرين ، وإياك أن تعتمد على مجرد التأمين لنفسك ؛ فلا تبالي بمصالح الآخرين ، لا تبالي بعرباتهم ولا لأنفسهم ، كل هذا من الخطأ فإن الرفق في القيادة من توفيق الله للعبد ، والذي يسلك طريق الرفق فإن الله يوفقه ويعينه على تجاوز ذلك الأمور ، وإنما يأتي البلاء من الطيش وقلة الأناة ، وعدم المبالاة بمصالح الآخرين .
ومن الرفق - أيها المسلم - : رفق الأب مع أولاده ؛ فيرفق بهم ويأمرهم ويربيهم ويدخل السرور عليهم ويكون التعاون بينه وبينهم ظاهرًا ، حتى يكون معه متوازنًا ؛ فإن وجدوا منه النفس الطيبة ، والخلق الكريم ، والعدل بينهم ، كانوا جميعهم معه يدًا واحدة ، وإن شعر أحدهم بإقصاء وهذا بقرب كان دليلاً على تفرقهم وسببًا لتفرقهم واختلاف كلمتهم ؛ فمن توفيق الله للعبد ، أن يكون رفيقًا بهم ، إن أخطئوا أصلح الأخطاء ، إن أحسنوا شجعهم ، وإن أخطئوا نصحهم ووجههم وأعانه على بره ؛ فإن من توفيق الله للعبد أن يكون عونًا لأبنائه بالبر به والإحسان إليه والقيام بحقه .
ومن أنواع الرفق - أيها المسلم - ، رفق المستفتي إذا أستفتي ؛ فيرفق بالمستفتي ، لا يحمله حرجًا ، ولا يوقعه بالمشاكل ، بل يفتح له طريق الخير ، ويوضح له المنهج المستقيم ، ويحثه على التمسك بالحق .
ومن الرفق أيها المسلم : رفق المعلم مع طلابه ؛ فيرفق به في تعليمهم في تعليمه إياهم ويرشدهم وينصحهم ، ويصلح شأنهم ويتحمل بعض أخطائهم ، ويسعى في إصلاح كلمتهم وإيصال المعلومة لهم فلا ييأسوا من عدله ، ولا ييأسوا من عدله ، بل يروه المعلم الناجح والمعلم الناصح والمربي الصالح .
ومن أنواع الرفق - أيها المسلم - : الرفق مع الخدم ، والرفق مع الأجراء ؛ فإن الرفق معهم مطلوب ، قال أنس - رضي الله عنه - : خدمت النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين ما قال : لي لشيء فعلت ، لما لم تفعله ؟ ولا لشيء لم تفعله لما فعلته ؟ خدمه عشر سنين فأخبر عن كمال خلقه ، وكمال شمائله - صلى الله عليه وسلم - ، إن الرفق في كل الأحوال خلق المؤمن يسيروا عليه فيحقق الخير ويرسي دعائم الخير في النفوس ؛ فعلى الجميع الرفق في الأحوال كلها والاستعانة بالله على كل هذه الأحوال .
أسأل الله أن يوفقني وإياكم لصالح القول والعمل .